عبد الوهاب الشعراني
233
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
فتشكر وأسأل اللّه التوفيق وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب قال تعالى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 1 » . وكان رضي اللّه عنه يقول إذا أقامك اللّه تعالى في حاله فلا تختر غيرها أعلى منها أو أدنى منها ، قلت أما طلب الأدنى فظاهر لاستبداله الأدنى بالذي هو خير منه وأما في الأعلى فلما يطرق الطالب للعلو من الهوى والإذلال فالنهي في كلام الشيخ رضي اللّه عنه لمن لم يخرج عن هوى نفسه أما من خرج عن ذلك فله السؤال في مراتب الترقي عبودية محضة واللّه أعلم . وكان رضي اللّه عنه يقول إن كنت تريد دخول دار الملك فلا تختر الدخول إلى الدار بالهوى حتى يدخلك إليها جبرا أعنى بالجبر أمرا عنيفا متكررا ولا نقنع بمجرد الأمر بالدخول لجواز أن يكون ذلك بمكر أو خديعة لكن أصبر حتى تجبر على الدخول فتدخل الدار جبرا محضا وفلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله وإنما تتطرق إليك العقوبة من شؤم شرك ، وقلة صبرك وسوء أدبك ، وترك الرضا بحالتك التي أقامك الحق فيها ثم إذا دخلت الدار فكن مطرقا غاضا بصرك ، متأدبا محافظا لما تؤمر به من الخدمة غير طالب للترقى إلى الطبقة الوسطى ولا إلى الدورة العليا قال تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ « 2 » . وكان رضي اللّه عنه يقول لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى فإن النعماء واصلة إليك بالقسمة استحليتها أم كرهتها والبلوى حالة بك ولو كرهتها ودفعتها فسلم اللّه تعالى في الكل بفعل ما يشاء فإن جاءتك النعماء فاشتغل بالذكر والشكر ، وإن جاءتك البلوى فاشتغل بالصبر والموافقة والرضا والتنعم بها والعدم والفناء عنها على قدر ما تعطى من الحالات وتنتقل فيها حتى تصل إلى الرفيق الأعلى ، وتقام في مقام من تقدم ومضى من الصديقين والشهداء ، فلا تجزع من البلوى ولا تقف بدعائك في وجهها وقربها فليس نارها أعظم من نار جهنم ، وفي الخبر إن نار جهنم تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبى ، وليس نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار إلا الذي صحبه في دار الدنيا وتميز به عمن عصى فليطفئ بهذا النور لهب البلوى فإن البلية لم تأت العبد لتهلكه وإنما تأتيه لتختبره .
--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 106 . ( 2 ) سورة الحجر : آية 88 .